Zum Inhalt springen

من الصحافة

فيلم قتيبة الجنابي عن ضحايا صدام في كل مكان "الرحيل من بغداد" صنعة سينمائية جيدة

                        قيس قاسم

  دخل قتيبة الجنابي في "الرحيل من بغداد" الى مدينته عبر ظلمة مشهد مسائي وأغنية حزينة فأثار فينا، في البدء، توجسا وخشية من مضي بقية فيلمه الى ذات العوالم البكائية العراقية، ومع رنة التلفون في منزل المصور الشخصي لصدام حسين، ألغى الصوت الثاني، الهاجس الأول ليفسح لنا المجال وسريعا للدخول الى حكايته عبر الصورة، التي ستقوم ومنذ هذة اللحظة بسرد حياة الرجل الذي ظل وفيا لحب قائده وخادما له، ولكنه وبعد رفع سماعة هاتفه ومحادثة زوجته في لندن، أدركنا أننا  الآن في مواجهة رجل وحيد، مرتبك لا يعرف ما الذي يفعله بعد ان أُغلقت في وجهه، وفجأة، كل الأبواب التي كانت مشرعة له يوما. لقد أدرك متأخرا إن بإنغلاق باب قصر الرئيس قد انغلقت أمامة كل الطرق ولم يعد بوسعه إلا "الرحيل من بغداد" والى الأبد. يكثف المشهد الأول في شقة المصور حالة العراق في لحظة تاريخية محددة: الأم تسأل عن إبنها الذي أختفى وإنقطعت أخباره، حتى عن أبيه المقرب من السلطة، وبغداد صاخبة بعنف، شوارعها ملىء بجموع هاتفة حناجرها بحياة الرئيس ومجده فيما القائد  يتمختر ممتطيا صهوة جواده مزهوا بزيه العسكري وقوة حكمه، وصدى صوت روح المصور المعذبة نسمعه عبر رسالة عتب يكتبها الى إبنه سمير. كل تفاصيل المشهد الأول تمهد لرسم مشهد، آخر، أكبر في التراجيديا العراقية وتسرد بعضا من مصائر أبنائه في ظل سلطة القمع والإستبداد. أعتمد الجنابي حركة الكاميرا المهزوزة لتعكس حالة الارتباك الذي فيه صادق، والتي كانت تزداد كلما شاهد بنفسه تسجيلات كامريته وأعاد النظر الى أشرطة فيها مشاهد لحالات التعذيب والقتل الشنيعة التي كا يقوم بها أزلام صدام ضد معارضية، وأصوات الجموع الهادرة في الخارج كانت تزيد مخاوفه أكثر فأكثر الى درجة صار  يتصور فيها أن رجال صدام يحاولون "حقيقة" الدخول الى شقته. لقد أصيب بحالة تخيل مرضي "برانويا" وأختلط عليه ما هو حقيقي وما ينسجه عقله المليء بصور الرعب التي يعرفها جيدا كونه كان مقربا بل وشاهدا على تلك الفضاعات. خلال الربع الساعة الأولى من "الرحيل من بغداد" ركز قتيبة، وهو المصور المحترف، على وجه صادق (أبو سمير)  لينقل لنا أدق أحاسيسه: خوفه، قلقه وحزنه. والتسجيلات التي حصل عليها من الأرشيف وثقت تلك الأحاسيس وعززتها عندنا مثلها مثل مشاهد الجموع التي صورها في بغداد وهي تهتف بحياة القائد. اعتماده اسلوب الديكودراما في هذا الجزء (15 دقيقة تقريبا) رسخ ثقة المشاهد بفيلمه، وأقنعه بأنه يتابع عملا سينمائيا فيه المهارات الفنية عالية والأفكار واضحة وهي وحدها من خففت الضعف الذي سببه تدخل قتيبة الشخصي فيه حين راح  ينقل بصوته مشاعر صادق الداخلية ويقرأ علينا رسائله الى ولده. كان التسقيط الشخصي خطرا وكاد في بداية الأمر أن يولد حالة من الإغتراب المختل بين الشخصية المنقولة على الشاشة وبين المشاهد، بسبب دخول المخرج نفسه على خطيهما، ولا ندري ما الذي دفعه لفعل ذلك خاصة وإن الاستعانة بصوت غيره، ليس بالأمر الصعب فنيا ولا المكلف انتاجيا، ومع هذا فقد أنقذت الصورة الحلوة والأرشيف الغني قتيبة من السقوط في فخ المباشرية والتطابق الذاتي مع المتخيل المجرد. ثمة شيء أخر نفعه وربما قد يكون أحد أهم عناصر كتابة الفيلم ونعني به شخصيته الرئيسة: المصور صادق (قام بدوره الممثل صادق العطار). فصادق ليس "بطلا " نمطيا ايجابيا، يعكس بوجوده الفني أفكار مبدعه مباشرة ويعبر عن موقفه السياسي علانية. انه ليس صوت صانعه الحقيقي، بل نتاجه الإبداعي. ما صنعه قتيبة مختلف عن الكثيرين كونه ذهب الى شخصية تنتمي الى السلطة ولهذا كان عليه بناؤها دراميا وبالكامل خارج ما هو جاهز عنده، أو سهل التشكل. لقد ذهب الى بطل سلبي وترك أثر البطل الايجابي الغائب يعذب الأول ويسبب له تناقضا مع سلطته، لم يكن بمستطاعه الفكاك منه فهو ولده، سمير، الشيوعي، الذي وبسبب موقفه المعارض ورط والده المستفيد من نِعم السلطة معه دون قصد. وفي كل رسائله كان يؤكد له ذلك وسمير لا يسمعها، فهو في أقبية السجون أو ميتا كما ستكشف لنا حكاية "الرحيل من بغداد" في أحد فصولها خارج بواباتها وبعيدا عن قصور طغاتها. الموسيقى التي أخافتنا في بداية الشريط ومع استمراه وتصاعدها صارت جزءا من التعبير عن حالة الهارب صادق الى منفاه في بودابست التي وصلها سرا على أمل الانتقال منها الى لندن حيث تقيم زوجته هناك. حالة النفي والاغتراب جسدها قتيبة في أول الدقائق بلقطات عامة: قطارات عابرة وأخرى تنتظر مسافريها في محطات الخروج منها يعني أملا وحلما مثل الذي عند صادق الباحث عن خلاص جسدي، والمتأذي بعذاب روحي تزيده الأيام بطولها ثقلا. بعدها وزع قتيبة صوره بين كبيرة وبعيدة وظلت  القطارات وحركتها عنصرا مهما فيها فهو يعرف كيف يسجل تفاصيلها (سبق وأن أنجز فيلما قصيرا بعنوان القطار) و بعين واحساس المهاجر يعرف ما الذي يثير الحزن في متابعها وعلى مستوى الاقتراب من جوانيات المنفي راح يقرب "زوم" كامرته الى وجه صادق فكادت تلاصقه. تَوُزع الصورة بين القريبة جدا والبعيدة مثلت توزع دواخل المنفي الذي ترك بلادا كان بالأمس القريب منعما فيها واليوم مشردا منفيا فقيرا يخاف من نفسه ومن رجال المخابرات الذين يلاحقونه في كل زاوية من منفاه القسري. ولكن هل كانوا فعلا يلاحقونه أم كان يختيل ذلك؟ لايهم فقتيبة يرمي متعمدا هذا الإلتباس ويقترحه بوعي علينا، مدركا أن خيارتنا في قبوله أو رفضه تكاد تكون معدومة! فحالة صادق يتجلى فيها اختلاط الحقيقي بالخيالي مثل حال سلطة صدام وممارساتها والتي لبشاعتها  لايصدقها العقل فتبدو كما لو انها نسجا من الخيال. الشغل في  بودابست وخاصة تصوير صادق الضائع في شوارعها والمأخوذة من أفضل زوايا كاميرته مَثل واحدا من مرجعيات شغل قتيبة، خريج السينما الهنغارية، المتدربة عيناه سلفا على زواية التقاطها، ومنها وصلنا الاحساس بتلاصق حالة المنفي مع مكانه الجديد وعلاقاته العابرة مع بعض من يعيشون فيه، عميقة وصادقة، بما فيها حركة رجال مخابرات صدام في هنغاريا والذين رسموا لضحيتهم مسار حركته ليصل في نهايته الى ركن  بعيد  معزول من البلاد يسهل فيه الانقضاض عليه وتصفيته. لقد صار هاجس المراقبة والملاحقة عند المصور صادق واقعا مع دخول شخصية رجل المخابرات الذي كان يتابعه خطوة بخطوة. هاجس الخوف الذي ينقله لنا الشريط يثير فينا تساؤلا: أي رعب كان يعيشه صادق وأمثاله المنفيون حين تلاحقهم السلطة في كل مكان؛ في الداخل والخارج؟ وأي مصير قاتم يقرره هؤلاء لهم؟. هذا السؤال كان هاجسا باطنيا ملازما لحالة صادق المتصارع بين اعترافه بفعلته وبين غريزة بقائه حيا لهذا حرص على إبقائه مكتوما، لكنه وحين أدرك ان عملاء السلطة قد أوصلوه الى الغابة الحدودية التي ظنها في أول الأمر اقترابا من نجاة، باح لنا بأمر شنيع وهو يركض خوفا من القتلة نحو مصير مجهول: لقد قام هو بنفسه بالكشف عن مكان اختفاء ولده سمير الى المخابرات، وبكامرته صور لحظة موته على أياديهم. لقد إرتكب إثما والاعتراف به الآن قد يخفف عذابا طويلا عاشه، لكن حتى هذا لن يتركوه له رجال السلطة التي طالما تغزل بها وبحبها، لقد أخترقت رصاصاتهم جسده الموغل في الغابة، وبعد قليل وفي مشهد جديد رأيناه يقبع في منزل مهجور والكاميرا تتحرك ببطيء على جدرانه لتصل ساحل بحر يغطيه الضباب وهو يراقب سفينة ربما قد توصله يوما الى زوجته! مرة اخرى يتداخل مصيره بين خيال وواقع، غير ان الحقيقة المرعبة أنه سلم ابنه لقاتليه. الموت في "الرحيل من بغداد" خاتمة ومصير واجهه منفيون ومعارضون كثر للسلطة، داخل العراق وخارجه، لكن معالجة قتيبة له فيها الكثير من الكياسة والإبتعاد عن المجانية، واسلوبه في سرد حكاية فيلمه (اخراجه وتصويره وكتابته) على جرعات صغيرة نفعته كثيرا، فجاء ورغم بساطة انتاجه جيدا ومقنعا خاصة أداء الممثل صادق العطار العفوي والمعبر وكاميرة قتيبة الذكية وموسيقى توم دونالد كوارتر المشحونة بالعواطف التي قالت لنا، كلها مجتمعة، ما الذي يعنيه "الرحيل من بغداد" والهروب من سلطتها الدموية الى المنافي البعيدة


اول أفلام العراقي قتيبة الجنابي الروائية الطويلة في المسابقة الرسمية لمهرجان دبي السينمائي

(شريط - السينما)

يعرض وضمن مسابقة المهر العربي للافلام الروائية الطويلة للدورة السابعة لمهرجان دبي السينمائي الفيلم الروائي الاولللمخرج العراقي قتيبة الجنابي والذي يحمل عنوان"الرحيل من بغداد" . وينتمي الفيلم الى ما يعرف سينما الطريق ، حيثيرافق الشخصية العراقية الاساسية في الفيلم ، والهاربة من نظام حكم صدام حسين في طريقه الصعب والطويل للالتحاق بزوجته التي تعيش في لندنويقدم الفيلم العديد من المشاهد النادرة من ارشيف النظام العراقي السابق ، منها لقطات عائلية لصدام حسين وعائلته ،.اضافة الى مشاهد مرعبة لعمليات تعذيب تعرض لها عراقيينويستعيد الفيلم صفحة مؤلمة من تاريخ العراق ، فابن الشخصية الرئيسية في الفيلم ، والهارب منذ سنوات دون ان يعرف احد مصيره ، ينتمي الى الحزب الشيوعي العراقي والذي تعرض افراده الى تصفية وتهجير كبيرين منذ اعوام 1979.والاعوام التي اعقبتهاكما يستعيد الفيلم الطريق الخطر الذي قطعه معظم العراقيين الذين لجئوا الى الدول الاوربية في العقود الثلاث الماضية .وهو الطريق الذي يتضمن احيانا محطات قاتلةوادى جميع الادوار في الفيلم هواة يقفون امام الكاميرا لاول مرة ، بعضهم يعيش في هنغاريا والتي قام المخرج بتصوير.معظم مشاهد فيلمه فيهاو اهدى قتيبة الجنابي الفيلم الى روح والده والذي عانى من القمع الذي عانى منه الكثيرين في فترة حكم النظام العراقي.السابقوالمخرج قتيبة الجنابي والذي يعيش في لندن حاليا كان هو نفسه احد الذين اجبروا على ترك العراق في نهاية عقدالسبعينات ، ليتنقل في دول عديدة قبل ان يستقر في لندن ، والتي انجز فيها مجموعة من الافلام التسجيلية منها "المراسلالبغدادي" ، و"الرجل الذي لا يعرف السكون" عن حياة الفنان العراقي خليل شوقي ، كما اصدر قبل 4 اعوام كتابة المصور."بعيدا عن بغداد" ويتضمن صور فوتغرافية بعدسة المخرج نفسه لشخصيات عراقية مثقفة وفنية تعيش خارج العراقمما يذكر ان قتيبة الجنابي قام بانتاج فيلم " الهروب من بغداد" بامكانياته الذاتية وبعض القروض من البنوك البريطانية ،وتلقى الفيلم مساعدة مالية من مهرجان دبي السينمائي كجزء من خطط الاخير لمساعدة افلام عربية في مراحل ما بعد الانتاج.